حزب الله "المطمئن"...

نسخة للطباعة نسخة للطباعة
مثلما أكد نائب أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم ارتياحه وتأكده من فوز المعارضة بالأكثرية النيابية في انتخابات العام 2009 التي كان يمسك بملف إدارتها، فكانت النتائج مفاجأة غير سارة، أكد قاسم بالأمس أنهم: "كمعارضة مرتاحون إلى وضعنا تماماً، مرتاحون سياسياً وشعبياً، ومرتاحون إلى كل الخطوات التي يمكن أن تواجهنا في المستقبل والى كل الاستحقاقات التي ستأتي أمامنا، لسنا قلقين ولا متوترين، ولا لاهثين وراء الحقائب، ولا نعيش حالة إرباك"، وهذا الكلام رغم كونه ليس دقيقاً أبداً إلا أنه كلام لا بد منه للاستهلاك المحلي.. 
 
ومحاولة الحزب رسم صورة ثقة مفرطة ومطمئنة، تشبه تماماً حالة الثقة المفرطة قبل الانتخابات النيابية، ويبدو أن حزب الله يصر على متابعة سياسة الاطمئنان هذه لأنه غير قادر على إظهار قلقه الحاد من هذه المرحلة لجمهوره المصدوم أصلاً، بصدمتين متتاليتين: الأولى لبنانية والثانية إيرانية، ويبدو أنه قلق وحذر من أن تكون الثالثة على الطريق. وما يزيد من قلق هذا الجمهور، الذي قيل له يوماً أنه موعود بالنصر الدائم، سياق الأحداث العام التي تتأكد يوماً بعد يوم إقليمياً قلقاً أكيداً، خصوصاً في المواقع الإقليمية التي تعتبر بمثابة "أوكسيجين" الحزب للبقاء على قيد الحياة.. فلا الوضع التفاوضي السوري يريحه وهو يراه يكاد يصبح مباشراً، ولا الوضع الإيراني الجديد المنقسم بعد الانتخابات الذي حطّم صورة حاول حزب الله إقناع جمهوره به أولاً واللبنانيين ثانياً، بل حاول فرضها على أنها من المقدسات التي لا تمس في إيران، ففاجأه مشهد الشعب الإيراني الذي كسر هذه الصورة الموهومة، وكشف القمع والعنف عن وجه "ديكتاتورية" مقنّعة بقناع ديموقراطية "انتخابات شكليّة" بنتائج مقررة سلفاً وتُفرض عند الضرورة بقوة السلاح والاعتقال والمحاكمة والقمع!! 
 
قد يكون أكثر ما يثير من علامات استفهام حقيقية، هذا التفسير المغلوط الذي يحاول حزب الله فرضه بحسب ما يريد هو أن يفسّر به معنى "الأكثرية" و"الأقلية" فاخترع لنا تفسيراً مخالفاً لطبيعة "الرياضيات" أو أبسط العمليات الحسابيّة، ويصر الحزب على تكريسها في سياسة الحكم والحكومة؟ قد تكون مشكلة حزب الله الحقيقية أنه يريد الانقلاب على الطائف بهدوء و"عالسّكت" ومن تحت الطاولة، ويريد أخذ لبنان إلى العد المذهبي للطوائف، فالأكثرية بالنسبة له "عدد الطائفة" ليس أكثر، على عكس ما ينص عليه الدستور اللبناني منذ أوقف اتفاق الطائف "العدّ" وتعداد الطوائف في لبنان، ولسنا نفهم لم يصر حزب الله على أن طائفته هي الأكبر عدداً مع أنه مدرك جيداً أن العد عند طائفة ثانية يتجاوز أعداده، ولا نفهم لماذا يريد أن يحول البلد إلى مزرعة تكاثر أرنبي؟!! 
 
عملياً يثير كلام نائب أمين عام حزب الله مخاوف حقيقية بسبب المنطق الذي يحاول الحزب أن يفرضه بالإكراه على الواقع السياسي اللبناني، فالأكثرية البرلمانية في الدستور اللبناني جاءت بسليمان فرنجية رئيساً للجمهورية بأكثرية النصف + زائد واحد.. إلا أن حزب الله المطمئن والذي يسعى إلى دفن خسارته بتفسيرات هي أقرب إلى جهل بأبسط القواعد الديموقراطية التي تفرزها الانتخابات عادة، إذ اعتبر الشيخ نعيم قاسم: "أننا أصبحنا في وضع ما بعد الانتخابات، وان هذه الانتخابات أفرزت توازناً سياسياً دقيقاً في لبنان" وهذا غير صحيح على الإطلاق، فقد أفرزت الانتخابات الأخيرة رابحاً هو الأكثرية، وخاسراً هو الأقلية، وهو حرّ في أن يسوّق لوجهة نظر غير منطقية ولا موضوعيّة عندما يعتبر أن المعارضة شارفت - لاحظوا شارفت هذه - أن تأخذ نصف المجلس النيابي، والموالاة زادت ببعض مقاعد عن النصف - ولاحظوا بعض هذه - وخلص قاسم إلى "ان التوازن موجود في داخل المجلس النيابي لأنه لا توجد أكثرية كبيرة ولا أقلية مسحوقة، وإنما هناك أكثرية بسيطة وأقلية تقارب الأكثرية ببضعة نواب، هذا يعني أن التوازن في البلد ما زال قائماً"!!! طبعاً هذا من أغرب التفسيرات لنتائج الانتخابات النيابية، بل عملياً هو إلغاء لنتائج الانتخابات النيابية، ونسأل: لو فازت المعارضة بمقعد واحد فقط نقلها إلى موقع الأكثرية، هل كان سيُقال الكلام نفسه على نتائج الانتخابات؟ نشكّ في ذلك، ولكن ماذا نستطيع أن نقول إزاء عقلية تمارس السياسية تحت عنوان "إلهي"!!! 
 
أما أغرب ما سمعناه بالأمس، وهو على غير ما ينص عليه الدستور اللبناني من أن الرئيس المكلّف يقدم خلاصة ما توصل إليه من مشاورات استشراف ووقوف على آراء سياسية إلى رئيس الجمهورية تحديداً، ليعرض وبناء على هذه الخلاصات الصيغة الحكومية التي سيعتمدها، فسمعنا من الشيخ نعيم قاسم أنه: "ينتظر من الرئيس المكلف أن ينهي مشاوراته ليعلمنا بما يمكن أن يفعله، ليتكرّم بعدها حزب الله رأس المعارضة بإعطاء أجوبة نهائية، والمقصود هنا استبطان الثلث المعطل الذي بات يستعاض عنه بجملة "تعزيز الشراكة الوطنية"!! 
 
ولم ينسَ الشيخ قاسم أن يذكرنا بأن الحزب حسم ـ وحده ـ موضوع "المسار السياسي للبنان" بل وحدده ووضع له قاعدة ثابتة - وحده - مقرراً بموجبها تحويل لبنان "ساحة حرب، تحت عنوان: " أن لبنان في الموقع المقاوم ـ وربما قصد الممانع ـ وفي موقع العدو لإسرائيل - وهذا أمر حسمه الدستور اللبناني - وأن لبنان في الموقع الذي يرفض أن يكون تحت أية وصاية أجنبية كائناً ما كانت لغتها أو صفتها أو موقعها - وربما لو أكد رفض الوصاية الإقليمية - السورية والإيرانية تحديداً - لكان أفصح وأوضح في تبيان قصده - ونتساءل أين تعزيز الشراكة والمشاركة في تقرير مصير وطن وشعب يقرر عنه حزب الله منفرداً مساره السياسي؟!! 
 
مع هذه التفسيرات والاجتهادات الخاصة التي يريد الشيخ نعيم قاسم تكريسها كأمر واقع، ومع نتائج انتخابات حسمت نهائياً موضوع الأكثرية والأقلية، ومع حراك دولي ينذر بغيوم داكنة في السماء الإيرانية تتجمع بانتظار شهر أيلول، يجعلنا هذا التأكيد نتيقن أن حزب الله ليس مرتاحاً ولا مطمئناً، ولكنه يحاول أن يظهر الارتياح والطمأنينة، لعلّ وعسى.
 
ميرفت سيوفي, الشرق

علامات المقال:

علِّق

Filtered HTML

  • رموز HTML المسموحة: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا: كلمات التحقق
هذا السؤال هو للتأكد أنك زائر بشري ولمنع منشورات سبام الآلية.