نظام الأسد قاتل.. ولكن ممانع

نسخة للطباعة نسخة للطباعة

مصطفى علوش

كثرت الألقاب التي منحت له، أو منحها لنفسه، دكتاتور أوغندا بين العام 1971 و1979، فهو "الرئيس مدى الحياة" و"الحاج الدكتور" و"قاهر الامبراطورية البريطانية" و"آخر ملوك اسكتلندا" و"الصديق لحركات التحرر" الى ما هنالك من ديباجات التعظيم.
 
أتى عيدي أمين دادا الى السلطة كمعظم زعماء العالم الثالث بعد انقلاب عسكري على الرئيس "ملتون أوبوتي" ذي الميول اليسارية، وكان هو نفسه صاحب سجل حافل بالمجازر بحق خصومه. ومع أن عيدي أمين كان يلقب نفسه بـ"قاهر الامبراطورية البريطانية"، فقد كان هو نفسه جندياً في الجيش البريطاني، وكانت المخابرات البريطانية هي من هيأت له الفرصة للوصول الى السلطة بعد أن توجست شراً من ميول سلفه (وخلفه) اليسارية.
 
في فترات شبابنا، وفي عز فورة حركات التحرر ضد الاستعمارات المتعددة، كنا نعد عيدي أمين في صف المناضلين ضد الامبريالية والصهيونية لأنه "على الأقل كان مسلماً وطرد السفير الإسرائيلي من بلاده". وأذكر أيضاً أنني أنا نفسي كنت من المتحمسين له ولخفة دمه عندما كان يتهكم على الامبراطورية البريطانية، ويعلن أنه سيقوم بجمع التبرعات من خيرات بلاده لدعم اقتصاد مستعمره السابق مسترسلاً في كيل النصائح للبريطانيين عن كيفية إدارة اقتصادهم.
 
كل ذلك كان في ظل تردد أصداء عمليات قمع وحشية ومجازر في حق من كان يتهمهم بمناصرة ملتون أبوتي أو حتى في من كان يشك بولائهم له من أنصاره ووزرائه. يقال إن عدد ضحايا حكمه وصل الى مئات الآلاف، ولن أخوض هنا في أحاديث عن نزواته الشخصية وميله الى أكل لحم (يقال أكباد) أخصامه. ولكن كل ذلك كان مغفوراً ومقبولاً عندنا، فقد كان "يقتل الامبرياليين فقط"، وهو "معاد لإسرائيل". في النهاية، وللأسف، وبدل أن يساق الى المحكمة، فقد وجد زعيمنا العظيم ملاذاً في بلد عربي ليقضي فيه ما تبقى من عمره المديد معززاً مكرماً.
 
حكم الأسد
 
لا أملك اليوم إحصاء دقيقاً لأعداد ضحايا النظام السوري منذ وصول حكم البعث الى السلطة سنة 1963، أو منذ وصول آل الأسد الى الحكم، ولكن المسألة لا تتعلق بالأعداد والأرقام، فبمجرد استعمال القمع لحرمان الإنسان من حريته الشخصية يعتبر جريمة في مجال حقوق الإنسان. ولكن لو أحصينا ضحايا هذا النظام على مدى 41 سنة في سوريا، وأضفنا اليهم ضحايا هذا النظام الفلسطينيين واللبنانيين فإن حكم آل الأسد قد يصبح في موقع المنافسة مع عيدي أمين.
 
أما ما يتساوى في الأهمية مع أعداد الضحايا فقد يكون طريقة تنفيذ الجرائم وأهدافها، وهذه الأهداف تتلخص عادة في محاولة إرهاب من تبقى من الناس وإعطائهم أمثولة في قبول الأمر الواقع وثنيهم عن السعي الى التغيير.
 
وما يحدث منذ عشرة أشهر في سوريا قد لا يكون صادماً للبعض وذلك لأن الجرائم تنفذ بالتقسيط وبمعدل عشرين ضحية في اليوم، وذلك لتفادي إثارة الرأي العام العالمي، ولكن هذا لا يعني أن هذا النظام لا يتمنى أن تتاح له الفرصة ليصعد في عمليات القمع لإنهاء الثورة حتى ولو ادى ذلك الى سقوط عشرات آلاف الضحايا. ولو راجعنا سجلات هذا النظام لظهر عندنا ما يلي:
  1. مجزرة سجن تدمر في 27/6/1980: بعد محاولة فاشلة لاغتيال حافظ الاسد، قامت وحدات من سرايا الدفاع باعدام المئات من نزلاء سجن تدمر وكان معظمهم من اعضاء جماعة "الاخوان المسلمين". دفنت جثث هؤلاء في حفر معدة مسبقاً في واد قريب من السجن. وقد تم توثيق هذه المجزرة من خلال اعترافات بعض من شاركوا في تنفيذها، كما ان مجازر اقل حجماً حدثت في السجن نفسه في السنوات التالية، بالاضافة الى اعدامات فردية كانت تتم من دون محاكمة، واحياناً بشكل مزاجي.
  2. مجزرة جسر الشغور 10/3/1980: وكانت ايضاً على ايدي سرايا الدفاع والقوات الخاصة وادت الى مقتل ستين مواطناً وجرح عشرين وتدمير منازل ومحال تجارية.
  3. مجزرة حماه الاولى: قامت فرقة مدرعة بين 5 12/4/1980 بتمشيط المدينة بعد قطعها عن العالم الخارجي وفتشتها بيتاً بيتاً وقتلت عدداً من شخصياتها، واسماؤهم موثقة ومعروفة، كما اعتقلت المئات وقتلت المئات.
  4. مجزرة حي المشارقة حلب: في 11/4/1980 قتلت قوات عسكرية اكثر من مئة من المواطنين ودفنتهم الجرافات وبعضهم كان على قيد الحياة.
  5. مجزرة حماه الكبرى: وقعت طوال شهر شباط 1982 بحيث طوقت سرايا الدفاع وقوات اخرى من المدرعات والمخابرات وفصائل حزبية مسلحة مدينة حماه واعملت فيها قصفاً وهدماً وحرقاً مع عمليات ابادة جماعية اسفرت عن نحو 30 الف قتيل حسب بعض المصادر، بالاضافة الى عشرات الجرائم الاخرى التي لا مجال لحصرها. كما تجدر الاشارة الى الآلاف من المفقودين والمعتقلين السياسيين ضحايا ظلم هذا النظام وعسفه.
 
ان النظام الحالي في سوريا ما هو الا نتاج عقود من ارهاب المواطنين لاجبارهم على الرضوخ للامر الواقع. لقد اتى هذا النظام مثل نظام عيدي امين بعد انقلاب عسكري، وعلى الرغم من انه لا توجد اثباتات على عمليات اكل لكبد الاعداء لدى نظام البعث، لكن المؤكد ان اساليب القتل الوحشية هي نفسها التي استخدمها النظام الاوغندي، بالطريقة نفسها التي نعت بها عيدي امين بمعاداة الصهيونية، يأتي اليوم من يقول بأن "بشار مستهدف لأنه ممانع لاسرائيل"، فاذا كانت اسرائيل عدوتنا لانها تقتل شعوبنا وتظلمها وتشردها، فهل ما يفعله بشار وامثاله اقل من ذلك؟ المهم اليوم هو ان لا يجد هو نفسه ملاذاً آمناً مثل عيدي امين يتهرب فيه من دفع ثمن جرائم نظامه، ولن نقبل بعد اليوم بأن تكون كذبة معاداة اسرائيل رخصة للحكام لقتلنا واذلالنا واغتصاب حرياتنا.
 
المصدر: المستقبل

علِّق

Filtered HTML

  • رموز HTML المسموحة: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا: كلمات التحقق
هذا السؤال هو للتأكد أنك زائر بشري ولمنع منشورات سبام الآلية.