حزب الله ومخاطرالإرتداد نحو المذهبية المكشوفة

نسخة للطباعة نسخة للطباعة

عندما شن الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله هجومه على الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، واتهمه بالعمالة للولايات المتحدة الأميركية وللعدو الإسرائيلي، معلناً رفضه للقرار 1559 وللمحكمة الخاصة بلبنان... بالتزامن مع حملة سياسية وإعلامية قامت بها جوقة الشتامين التابعة للحزب المؤلفة من بعض النواب الحاليين والسابقين وبعض دمى الإعلام والسياسة، بحيث جاءت خلاصة حملتهم اعتبار بان كي مون أحد خصوم «حزب الله» في السياسة المحلية، إلى درجة توهم البعض منهم أن التهجم عليه سيسبب للأمين العام وللمنظمة الدولية الاكتئاب.

 
راهن السيد حسن في استهدافه الكيدي لبان كي مون على الذاكرة المثقوبة لبعض اللبنانيين، الذين لا يرون إلا ما يرى، لكننا نلفت عناية الرأي العام بأن الأمين العام لـ»حزب الله» كان هو نفسه الذي استقبل الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان في مقره في العام 2000، من دون أن يتغير في سياسات المنظمة الدولية الأساسية شيء، لا قبل ذلك التاريخ ولا بعده..
 
فهل كان كوفي أنان من أبطال التحرير ومن مقاومي الامبريالية العالمية، أم أنه الأمين العام للمنظمة الدولية، المتهمة بالخضوع للإملاءات الأميركية والصهيونية، فما الذي تغير منذ العام 2000 حتى العام 2012، سوى أن «حزب الله» كان يومها في موقع الصدارة والتقدير والإجماع على دوره الوطني، لينحدر بعد ذلك في سلسلة خطايا قاتلة إلى استعمال سلاحه في الداخل، وليصبح العامل الأكثر تهديداً للاستقرار الداخلي والإقليمي، وليكون الحزب الخارج على الشرعية الدولية بعد رفضه تسليم المتهمين الأربعة في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري للمحكمة الخاصة بلبنان التي أنشئت بموجب القرار 1757 الصادر عن مجلس الأمن وتحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة .
 
ومما يذكره اللبنانيون تشديد «حزب الله» على الحفاظ على أمن الحدود مع العدو الإسرائيلي وتعهده بعدم القيام بأي عملية عسكرية، من العام 2000 إلى 2005، وفي سبيل تأكيد هذا التوجه استقبل السيد نصر الله وفداً صحافياً أميركياً قال له: «أنتم تشاهدون. نحن في الجنوب لم نفتح جبهة، الحدود منذ 2000 إلى 2005 هي حدود هادئة»، الأمر الذي دفع الأمين العام السابق للحزب الشيخ صبحي الطفيلي إلى القول: «هؤلاء بقوا حرساً للحدود ست سنوات وحينما تخطوا الحدود قامت عليهم الدنيا لأنهم خالفوا الاتفاق والتفاهم مع الإسرائيليين والأميركان»، مضيفاً: «كوفي أنان حينما جاء في الألفين إلى بيروت والتقى الأمين العام لحزب الله، (هل) التقاه في الألفين ليهنئه بالنصر أم ليتأكد من الالتزامات التي قُطعت في تفاهم نيسان 1996.. حزب الله يقول: نحن نريد أن نحمي الجنوب، نريد أن نحمي الحدود، يعني وظيفة حزب الله، وظيفة المقاومة اليوم حرس حدود، هذه الوظيفة جداً سيئة، أقبح وأشنع وظيفة يمكن أن يكلف بها شباب المقاومة».
 
والسؤال هنا: هل يعني موقف السيد نصر الله من زيارة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، استكمال الخروج النهائي على الشرعية الدولية، وبدء رحلة التمرد العلني عليها، مع ما يعنيه ذلك من تداعيات ونتائج كارثية، وهل رفض «حزب الله» للشرعية الدولية، يقتصر على رفض المحكمة الدولية، أم يمتد ليشمل القرار 1701 الذي ضمن حماية لبنان من العدوان الإسرائيلي منذ العام 2006، مع ملاحظة أن مسؤولي الحزب تجاهلوا كلياً إدانة بان كي مون للانتهاكات الصهيونية وجدّد المطالبة بوقفها وصولاً إلى وقف نهائي لإطلاق النار على جانبي الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة..
 
من الواضح أن «حزب الله» يتجه إلى رمي الأقنعة التي تلطى بها على مدى السنوات والعقود الفائتة، قناعاً تلو الآخر. فهو كشف عن توجهه الفعلي تجاه المؤسسات الدولية، وهو ارتكز إلى الخطاب المذهبي المكشوف، بعد أن كان يختبئ وراء شعارات الوحدة الإسلامية والوطنية، وهو يجاهر بالتسلط ومنع التنمية عن كل المناطق باستثناء المناطق الخاضعة لسطوته مباشرة أو بالواسطة ....
 
ولعل أوقح أنواع التعبير عن هذا التسلط ومنع التنمية وتعطيل الإنماء، هو ذلك الموقف المريب الذي اتخذه رئيس كتلة نواب «حزب الله» النائب محمد رعد، عندما جاء موقفه صدى لموقف الأمين القطري لحزب «البعث» السوري في لبنان، حيث ربط هذا الأخير بين المطالبة بتشغيل مطار الرئيس الشهيد رينه معوض في القليعات وبين زيارة بان كي مون مدعياً ان هذا المطار سيستخدم ضد النظام السوري. أما النائب رعد الذي صرح – مثل شكر – بعد زيارة الرئيس السابق آميل لحود (ما غيره!) فقد دعا إلى «التريث» والانتظار لتأمين الشروط اللازمة لتشغيل المطار بعد إتمام «حزب الله» لاختراقاته الأمنية والاستراتيجية، بحيث يكون مطار القليعات خاضعاً سلفاً لدائرة النفوذ الأمني للحزب.. هذا إذا لم يكن قرار الحزب بالتعطيل والمنع نهائيا» لأنه لا يريد أي شريان حيوي في البلد بعيداً عن سيطرته، والمعروف أنه يتحكم بمطار الرئيس الشهيد رفيق الحريري الدولي بكل مفاصيله الداخلية وخارجيا» من خلال الدواليب المستعملة التي يدفع صبيانه لإحراقها ولقطع طريق المطار..
 
يبدو أن ثقل الأزمة السورية ومخاوف «حزب الله» من تداعياتها على الوضع الاستراتيجي والداخلي للحزب، بدأت تترك آثارها على السياسات المتبعة من قيادته، وأبرز ملامح هذه السياسات المستجدة وأخطرها: الارتداد نحو الخطاب المذهبي المكشوف الذي تجلى في خطاب الجمعة 13الجاري، والذي لم يستعمل فيه السيد نصرالله أي شكل من أشكال التخفيف من وطأة الرؤية المذهبية الآحادية التوجه في مقاربة قضية استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، بالتوازي مع الاستئثار بالمشاريع الكبرى، كما هو الحال مع مشروع الليطاني وتعطيل التنمية بشكل تام وكامل في المناطق الأخرى، فهل يستمر الرئيس نجيب ميقاتي في تجاهل مخاطر هذا التوجه ويسكت عنه، أم أنه ينتفض لكرامة المناطق التي يجتاحها العونيون بقرارات التعيين المخالفة للقانون ويسعى «حزب الله» لتعطيل إقلاع مطارها (في عكار) ومعرضها في طرابلس ومصفاتها في البداوي..؟؟!

علامات المقال:

علِّق

Filtered HTML

  • رموز HTML المسموحة: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا: كلمات التحقق
هذا السؤال هو للتأكد أنك زائر بشري ولمنع منشورات سبام الآلية.