خطاب نصر الله المدهش!

نسخة للطباعة نسخة للطباعة

حرّف مضمون موقف الحريري من الثورات العربية وجاء بمقارنات وتناقضات غريبة

 
لا يكف السيد حسن نصر الله عن مفاجأتنا.. خطابه الأخير آية في ذلك.. جمع فيه التناقضات، والمقارنات الغريبة، والاستكبار على الناس، وتحريف مواقف خصومه... وأبعد عنه الحكمة برفضه مرة جديدة يد الحوار الممدودة إليه.
التناقضات 
 
من دون عناء؛ يكتشف المتابع لخطاب السيد نصر الله الأخير (16/2/2012) عدداً من التناقضات الأساسية؛ فهو إذ يريد أن يسمع "دعوة واضحة: هل الحوار بشروط أو بدون شروط؟ وهل الحوار بنتائج مسبقة أو بدون نتائج مسبقة؟ (ويعلن) نحن مع الحوار من دون شروط ولدينا منطق وحجة"، يعود في وقت لاحق من خطابه ليفرض الشروط والنتائج بإعلانه أنه: "لو لم يكن لدى أي لبناني قطعة سلاح واحدة، فنحن متمسكون بسلاحنا للدفاع عن لبنان"!. 
 
كان الأحرى به لو كان صادقاً في قبوله حواراً بلا شروط أن يقول: "لدينا موقفنا من السلاح ومستعدون للتحاور في هذا الموضوع"، إذ المعلوم أن موضوع الخلاف الأساس اليوم في البلد هو السلاح، وليس الدفاع عن لبنان، وأنه البند المتبقي على جدول أعمال الطاولة الأولى للحوار عام 2006، وأن أي حوار لا يتضمن الموقف من السلاح ليس حواراً. (على سبيل المثال لا الحصر أعلن نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم في 25/1/2009 أن "سلاح المقاومة ليس مطروحاً للنقاش لا في الحكومة ولا على طاولة الحوار"، وفي 9/3/2010 أعلن النائب حسن فضل الله "أننا لا نذهب إلى طاولة الحوار لنناقش موضوع سلاح المقاومة ولا حتى لنناقش موضوع المقاومة، هذا الأمر ليس مطروحا للنقاش"). 
 
في مقاربته للشأن السوري؛ يسأل نصر الله -في محاولة لبناء موقفه على أساس المصلحة اللبنانية-: "على أي قاعدة ركزتم الحملة على سوريا؟ هل هذه مصلحة لبنان ومصلحة المسيحيين والمسلمين فيه؟"، ثم يعود نصرالله نفسه ليضرب الأساس الذي بنى عليه سؤاله عندما يقول: "أنا لا أتكلم عن لبنان أولاً ولا أكذب، ليس لدينا لبنان أولاً ونقطة على السطر! ".
هذا فضلاً عن التناقض الكبير في الأساس، المبني على انتقال "حزب الله" من دعمه الشعوب إلى دعمه النظام عندما اندلعت الثورة في سوريا!. 
 
مقارنة مدهشة! 
أكثر ما يدهش في كلام السيد نصر الله ولعله الأكثر دهشة في خطابات نصر الله كلها- مقارنته النظام السوري بالعدو الإسرائيلي!، ذلك أن نصر الله وضع مسألتين مختلفتين تماماً على طاولة المقارنة، ثم طمس صفحاتٍ من التاريخ والحقائق ليخلص إلى النتيجة الآتية: "مع إسرائيل يفاوضون عشرات السنين ويرفضون الحل السياسي في سوريا"!. 
 
والواقع أن نصر الله بهذه المقارنة جافى الحقائق من وجوه عدة:
أولاً: من حيث أصل المسألتين؛ ذلك أن "إسرائيل" كيان عدو نظاماً وشعباً، لا يغير من وصفه هذا تغير نظام أو تبدل رئيس أو أن الحكم في "إسرائيل" ديمقراطي أو دكتاتوري، في حين أن سوريا بلد شقيق لا يغير من وصفه هذا رحيل نظام أو بقائه، والصراع بين العرب -في الماضي والحاضر والمستقبل- و"إسرائيل" هو صراع بين دولة أو عدة دول وبين كيان سياسي، شعباً ونظاماً، فيما المسألة في سوريا مختلفة، لأنها صراع بين شعب لا يريد نظامه وحاكم متمسك بالكرسي، والقفز فوق هذه الفروق يعني حكماً مساواة شعب عربي عريق الشعب السوري-يطالب بحقوقه في وطنه، بالجماعات الصهيونية المهاجرة من كل العالم إلى حيث لا تملك أرضاً!. 
 
ثانياً: من حيث التاريخ؛ ليس صحيحاً والمقارنة هنا من باب التجاوز لأن أصل المسألتين مختلف- أن العرب فاوضوا "إسرائيل" عشرات السنين، وإنما الصحيح أن العرب حاربوا "إسرائيل" في 1948، و1967، و1973... واجتمعوا في الخرطوم وأعلنوا اللاءات الثلاث: "لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض" (1967)، وأن اختصار صراع العرب مع "إسرائيل" بالتفاوض الدائم، هو كمن يشطب صفحات كبرى من التاريخ، سيما أن طروح "السلام" الجامعة عمرها من العام 2002 فقط، وأن سوريا "الممانعة" وافقت عليها (انعقد المؤتمر الذي أطلقها يومها في بيروت)، وأن المبادرة نفسها تعبر عن موازين القوى العالمية أكثر مما تعبر عن تطلعات الشعوب أو حتى عن قناعات كثير من الحكام... وفي كل الأحوال فإن العداوة لـ "إسرائيل" لا تزال مستمرة رغم "مبادرة السلام العربية"، خلافاً للحال اليوم إزاء الثورة السورية التي سبقت فيها الشعوب العربية حكامها بمراحل، تأييداً للشعب السوري.
 
ثالثاً؛ من حيث الواقع؛ ليس صحيحاً أيضاً أن العرب رفضوا التفاوض مع النظام السوري، بل العكس هو الصحيح إذ لم يحظ أي نظام عربي واجه الثورة بالفرص التي عرضت على بشار الأسد، وقد كان في كل مرة يستغل هذه الفرص لقتل مزيدٍ من شعبه، بل لعل الأغرب من ذلك أن يدعي السيد نصر الله أن العرب رفضوا الحل السياسي مع النظام السوري، في حين أن مبادرتهم التي عرضوها في الجامعة العربية أو في مجلس الأمن أو في الجمعية العامة للأمم المتحدة هي مبادرة سياسية أولاً وآخراً!.
 
تحريف موقف الحريري و"14 آذار" من الثورات العربية 
لم يكتف السيد نصر الله في خطابه "المدهش" بما سبق كله، بل تعمد تحريف الحقائق عندما قال إنه "يجب أن يكون لدى قوى 14 آذار منهج، سيما وأن لدي (أنا) معياراً واحداً، أتطلع من خلاله إلى ليبيا ومصر وسوريا وكل الدول، فأرونا معياركم الواحد"، ثم قرأ نصر الله نص كلمة ألقاها الرئيس سعد الحريري بتاريخ 22/3/2011 رداً على كلمة لنصرالله في 19/3/2011.
 
والواقع؛ أن "14 آذار" واجهت الاختبار القاسي عندما ثار الشعب المصري على نظام مبارك حليفها. ترددت "14 آذار" وربما ارتبكت حينها، لكنها سرعان ما أعلنت موقفها الواضح وهو الانحياز إلى الشعب المصري، وبتاريخ 11/2/2011 اجتمعت في دارة الرئيس الحريري وأعلنت: "تضامنها وتعاطفها مع الشعوب العربية المنتفضة سلميّاً، من أجل الحرية والكرامة والديمقراطية" حيث أكد المجتمعون أن "تلك الثورات والانتفاضات فتحت أمام العالم العربي أبواب مرحلة تُدخل المنطقة وشعوبها في رحاب عصر جديد، وتشكّل رداً طبيعياً على ما كان سائداً من استبداد وتخلفٍ وفسادٍ عائليٍّ استفزازي، كما تشكّل ردّاً على العجز والفراغ العربيين، اللذين سادا عقوداً من الزمن". 
 
والذي حصل أن السيد نصر الله نظّم مهرجان تأييد للثورات العربية بعد أكثر من شهر على هذا الموقف لـ"14 آذار" (19/3/2011)، فتجاوز فيه الانتفاضة النشطة يومها في إيران، ثم شن هجوماً على "دول الخليج التي أرسلت الجيوش للدفاع عن نظام غير مهدد"، وعلى هذه الخلفية رد الحريري بالقول: "استمعنا قبل أيام إلى مواقف صدرت عن قيادات رئيسية في حزب الله، خُصصت لزج لبنان في خضم التحركات التي تشهدها بعض البلدان العربية الشقيقة، وهي مواقف تتحرك على أساس أن هناك تحركات بسمنة وتحركات بزيت (غابت العبارة الأخيرة عن النص الذي قرأه نصر الله)... فالتضامن مع الشعوب العربية شيء وصبّ الزيت على نار الخلافات العربية شيء آخر... والحملة التي تطاول البحرين والمملكة العربية السعودية وسائر دول مجلس التعاون الخليجي هي حملة أقل ما يمكن أن يقال فيها إنها أمر عمليات خارجي". 
 
ما قام به نصر الله في خطابه الأخير أنه أخذ مواقف الحريري تلك كدليل على أنه- و"فريق 14 آذار" - كانوا ضد الثورات العربية بالمطلق، وبعد أن اجتزأ من خطاب الحريري ما يريد، خلص إلى أن معيار خصومه من الثورات مضطرب، ومعياره هو واحد، علماً أن موقفه من الثورة السورية، الذي أعلنه بوضوح تكراراً، أثبت أن "حزب الله" رسب في امتحان الصدقية!. (لعل ما يلفت اليوم أن نصر الله في المهرجان إياه حمّل القذافي مسؤولية تدخل الناتو ودعا "الحكومات العربية والإسلامية أن تتحمل مسؤوليتها دعماً للثورة- حتى لا يحصل التدخل الأجنبي)". 
 
هيهات منا الذلة!
...وكما هي العادة في خطابات نصر الله أنه يعود إلى التراث الكربلائي، وهذا ما فعله في خطابه "المدهش" عندما استذكر أيام عدوان تموز 2006، لكن ما فات نصر الله أن شعار الإمام الحسين: "هيهات (أي بعُدَت) منا الذلة" هو نفسه شعار الثوار في سوريا: "الموت ولا المذلة"، وأن خروج الإمام الحسين إنما كان لرفض الظلم، وأن ثورة السوريين إنما جاءت بعد عقود من الظلم، ما يعني أن الحسينيين اليوم هم ثوار سوريا، الذين يرفض نصر الله تأييدهم خدمةً للمشروع الذي ينتمي إليه، وأن "الملعونين" في التراث الإسلامي -وبالأخص منه الشيعي- هم الذين يقمعون الشعب السوري اليوم.
 
ولأن هذه المفارقة صارخة إلى درجة هدم البنية الفكرية والأخلاقية للحزب، فقد اجترح نصر الله معياراً جديداً لتحديد موقفه من الثورات، فلديه: "المبدأ الذي على أساسه نأخذ مواقفنا ونبادر ونتحالف، ونقوّم سلوكنا على أساسه، ومن خلاله ننظر إلى الآخرين؛ أكانوا تيارات أو أحزاباً أو أشخاصاً في المنطقة أو في لبنان (هو) أن نسأل ما هو موقفهم من القدس وفلسطين والمشروع الصهيوني وكيف يتصرفون إزاء هذا الموقف؟". 
 
اللافت؛ أن السيد نصر الله جعل هذا المعيار هو الوحيد في النظر إلى الآخرين، وهذا يعني بالضرورة أنه إذا وُجد نظام جائر وقمعي مرتكب للفواحش، وعادى "إسرائيل" كما النظام السوري وذلك على افتراض أنه يعادي "إسرائيل" حقيقةً- فإن "حزب الله" يؤيده!. وما لم ينتبه إليه نصر الله أن هذا المعيار أشد خطراً على التراث الشيعي، لأن الحكم الذي ثار عليه الإمام الحسين، كان ظالماً ولكنه كان قوياً بوجه "أعداء الأمة"؛ قاتلهم وفتح البلاد الواسعة على حساب سلطانهم، فلم يشفع هذا الأمر له، ولم يُقنع الامام الحسين بالقعود عن الثورة عليه، مع الأخذ بالاعتبار أن بطولة الامام الحسين أبت عليه عندما حوصر أن يموت سلمياً، قاتل ببسالة حتى استشهد، وكذا يفعل السوريون اليوم بعدما تظاهروا لشهور سلمياً، فإذا بهم اليوم يداومون على التظاهرات السلمية، ولكنهم يدافعون عن أنفسهم بالسلاح أيضاً!. 
 
كان حرياً بالسيد نصر الله إزاء هذا الاضطراب كله، والحشرة التي يشعر بها، أن يتلقف اليد الممدودة للحوار، لا أن يستكبر على شركائه بالوطن، -مهما كان موقفه منهم سيئاً- ويقول: "اللعبة في المنطقة أكبر منكم"، ولا أن يتعالى على تاريخ قوى وحركات قاتلت "إسرائيل" منذ العام 1948، فيعظ: أنه "من الأولى للحركات الإسلامية الصاعدة أن تقوّم ذاتها من خلال هذا الموقف (العداء لإسرائيل).

التعليقات

شو في التلفاز والخطاباتكم ومحاضراتكم تنكرون ثورة الامام الحسين عليه السلام  واليوم حسن نصر الله ينصر سوريه اجيبون ثورة الامام الحسين كفاكم نفاق  لو تتكلمون بلحقيقه   خليكم على نفاقكم افضلكم

علِّق

Filtered HTML

  • رموز HTML المسموحة: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا: كلمات التحقق
هذا السؤال هو للتأكد أنك زائر بشري ولمنع منشورات سبام الآلية.