مؤامرات حزب الله

نسخة للطباعة نسخة للطباعة

"لم أرَ مكراً مثل مكرهم ولو علمت به لأكرمت الذئاب     وعند اجتماعك في جحرهم أدركت بأنّ مسيلمة غير كذّاب" 

 
منذ أيام مرّت مقالة للصحفي جان عزيز في صحيفة "الأخبار" من دون أن تستدرج أي ردّات فعل رغم خطورة المعلومات الواردة فيها. باختصار فإنّ الكاتب سرد وقائع ومعلومات يؤكد فيها أن ما قامت به ميليشيا "حزب الله" في السابع من أيار لم يكن وليد رد فعل على قرارات اتخذتها حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، بل إن ما سُمِّي بـ"غزوة حزب الله" ما هو إلاّ مؤامرة أعدّت بالتنسيق مع الفرنسيين والسوريين لتغيير المعادلة السياسية القائمة من خلال العنف والتخريب الذي قامت به ميليشيا الحزب الإلهي بمساعدة الميليشيات والشبيحة المنضوية تحت لوائه.
 
تقول الرواية بأنّ مسألة كاميرات المراقبة في المطار لم يكن لها وجود في الأساس، وإنما كانت فكرة لمعت في أذهان المتآمرين لدفع حكومة الرئيس فؤاد السنيورة إلى قرارات معينة تكون مسوّغاً للعملية الأمنية "الجراحية" كما سُمِّيت وقتها. وقد استفادت هذه التركيبة من "غفلة" وليد جنبلاط الذي هدّد الحكومة ودفعها إلى اتخاذ القرارات الشهيرة المتعلقة برئيس جهاز أمن المطار وبخصوص عدم شرعيّة منظومة اتصالات كان قد نصبها الحزب من خلال المنشآت الرسمية.
 
من الواضح بناءً على خلفية الكاتب والصحيفة الناشرة للمقال أن الهدف الأساسي لتمرير هذه المعلومات، وعلى الأرجح من مخابرات "حزب الله"، هو تأكيد "غباء" صُنَّاع القرار في قوى 14 آذار، وأنهم مجرّد أدوات تتلاعب بها أجهزة المخابرات شرقاً وغرباً، والأهم هو "بهدلة" صُنَّاع القرار في فرنسا على أنّهم مجرّد متآمرين على قوى 14 آذار، وقد يكون الهدف في الأساس زعزعة الثقة بالمواقف الفرنسية المتعلقة بالأمور السورية.
 
من حيث لا يدري، أسّس الأستاذ جان عزيز لفضيحة تطال حزب ولاية الفقيه قبل أن تطال فرنسا. وما يؤكد حصول المؤامرة هو غياب أي تعليق لا من المسؤولين الفرنسيين ولا من الحزب. هذا يعني أن "حزب الله" استدرج قوى 14 آذار من خلال مؤامرته إلى قرارات سوّغت له اعتداءاته. ويعني أيضاً أن فورات الغضب التي مثّلها الأمين العام للحزب قبيل إصداره الأوامر إلى ميليشياته للتخريب إنّما كان جزءاً من مسرحية متقنة الإخراج ليس فيها أي أثر للأخلاقيات الإنسانية.
 
ويعني أيضاً أنّ هذا الحزب لا يأبه بسقوط الضحايا البريئة والتسبُّب بالدمار في سبيل تحقيق أهدافه، وأنّه مستعد للتآمر مع القوى "الاستكبارية" ضد أبناء بلده طالما ذلك يؤمّن له الغلبة.
ويعني بالتأكيد أن الرادع الأخلاقي والديني الذي طالما تغنى به سماحة الأمين العام ما هو إلا جزء من التقيّة المبرمجة لخداع الرأي العام.
 
بناءً على كل ما تقدَّم، ونحن على أبواب الذكرى السابعة لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فقد يكون من الواجب مراجعة بعض الأدبيات المتعلقة بهذه القضية وحيثياتها وتفاصيلها. لقد كان السائد في أوساط قوى 14 آذار هو أنّ قرار الاغتيال أخذه بشار الأسد، أمّا التنفيذ فقد كان مشتركاً بين أطراف عدّة أمنية وميليشوية مرتبطة بهذا النظام. الوقائع والمعطيات أكدت لاحقاً أنّ مَنْ نفَّذ على الأرض كانت عناصر مخابراتية من حزب الولي الفقيه، وعلى الأرجح من دون مشاركة أي طرف آخر لضمان حسن التنفيذ. هذا لا يعني أن أطرافاً أخرى لم تكن عالمة بالجريمة قبل حدوثها.
 
في معرض الدفاع عن اتهام النظام السوري في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد يؤكّد المدافعون عن هذا النظام أنّ سوريا هي التي تضرّرت أكثر من غيرها، وبشكل مباشر، من قضية الاغتيال، ويكفي أنّ قواتها انسحبت من لبنان على خلفية الجريمة بعد احتلال دام ثلاثة عقود. كما أنّ النظام تعرّض لحصار سياسي قاسٍ استمر ثلاث سنوات، أما المستفيد الأوّل فهو العدو الإسرائيلي الذي يسعى دائماً إلى الفتنة. على كل ذلك كنّا نردّ بأنّ النظام السوري كان نزقاً بارتكابه الجريمة بدافع التخلص مما مثله رفيق الحريري من حجم سياسي محلي ودولي، ولم يدخل في حساباته إمكانية الخروج من لبنان وإنشاء لجنة تحقيق دولية ومن بعدها المحكمة الدولية.
 
في المحصلة فإنّ النظام السوري قد يكون أحد الخاسرين الكبار كنتيجة لهذه الجريمة. أما الرابح الأكبر من دون شك فهو مشروع ولاية الفقيه للأسباب التالية:
 
1 ـ لم يكن الرئيس الشهيد يوماً على علاقة ودّ مع الحزب المعصوم لأسباب منطقية ومنها تناقض الرؤى في السياسة والأمن والمواجهة مع إسرائيل، وتكفي مراجعة تصريحات قيادات الحزب ضدّ الرئيس الشهيد في حياته للتأكد من ذلك. أمّا مسرحية الودّ والمحبة بين نصرالله والرئيس الشهيد التي روّج لها بعد استشهاده، فلم تكن إلاّ جزءاً موازياً لمسرحية أبو عدس لإخفاء آثار الجريمة.
 
2 ـ تخلّص "حزب الله" من شخصية أمّنت عودة لبنان إلى الخريطة الدولية ما صعَّب على الحزب إمكانية ابتلاعه لمصلحة مشروع ولاية الفقيه.
3 ـ تخلّص مشروع ولاية الفقيه من أحد روّاد المواجهة مع هذا المشروع على المستوى الدولي.
 
4 ـ ضرب مشروع بناء الدولة، وبالتالي تعميم الفوضى والتدهور الاقتصادي ليتمكّن الحزب من التسلّل من جديد عبر مشروع بديل هو مشروع ولاية الفقيه.
 
5 ـ على الرغم من الحلف القائم بين نظام الأسد ونظام ولاية الفقيه، فإنّ هذه العلاقة لم تخلُ من الصدامات والتنافس في لبنان تمثّلت في فترة بصدامات دموية (حرب "أمل" و"حزب الله"). إنّ الوجود السوري في لبنان شكّل نوعاً من كف اليد للحزب في كثير من المسائل الأمنية والسياسية في لبنان، لذلك فإنّ خروج الجيش السوري قد مكَّن هذا الحزب من أن يتحرّر بشكل كامل، لا بل إنّه وضع النظام السوري تحت رحمته في الموضوع اللبناني. لذلك، فإنّ النظام السوري على الأرجح كان ضحية استدراج حزب الولي الفقيه ليشارك في قرار الجريمة من خلال تحريض هذا النظام على الرئيس الشهيد وتصويره بأنّه يشكّل تهديداً مذهبياً له، هذا بالإضافة إلى تصويره أحد مهندسي القرار 1559، أمّا التخطيط والتنفيذ والتكليف الشرعي فقد كان على عاتق الحزب المعصوم. وهكذا يكون حزب الولي الفقيه وإسرائيل المستفيدين الأكبرين من اغتيال رفيق الحريري.
 
الكاتبة: مصطفى علوش- نائب سابق
المصدر: المستقبل

 

علِّق

Filtered HTML

  • رموز HTML المسموحة: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا: كلمات التحقق
هذا السؤال هو للتأكد أنك زائر بشري ولمنع منشورات سبام الآلية.