نهاية مغامرة الشرق الأوسط الإيراني الكبير

نسخة للطباعة نسخة للطباعة

عادت واستوقفتني بالأمس ـ في ظلّ تسارع وتيرة احتشاد العالم ومجلس أممه لإنقاذ الشعب السوري ـ تلك المقدمة التي خطّها رئيس مجلس النواب نبيه بري لكتاب الزميل راجح الخوري «إرهاب ضدّ الإرهاب»، فبلاغة بري التي أخرجت لنا يوماً مقولة «لا وجود للهلال الشيعي إلا في القمر السُنّي»، ولا ذلك المديح المفوّه في استقبال أمير قطر «بطل وممول المقاومة يومها» في جنوب لبنان بقوله: «أول الغيث قطرة فكيف إذا كان قطر»، وعلى عكس الذين لا يقرأون جيداً في الصمت البري إلا اختلافاً في وجهات النظر مع حزب الله حول الوضع السوري، تحدّث بري مطوّلاً ـ في تلك المقدمة ـ عن المعركة الدائرة بين أميركا والمنطقة، والذين لم يفهموا بعد حقيقة أنّ المعركة الدائرة في سوريا هي بين الشعب السوري والمشروع الإيراني كلّه ورأس حربته نظام دمشق الذي غادر موقعه العربي نهائياً منذ عقد من الزمن، يحتاجون إلى قراءة هذه المقدّمة مطوّلاً ليقرأوا حقيقة موقف رجل الحبال اللبنانيّة والعربيّة والإقليميّة الذي أفلح في النجاة والاستمرار لاعباً أساسياً في لبنان طوال ربع قرن من الاضطراب السياسي!!

 
إقرأوا هذه السطور التي خطها الرئيس نبيه بري: «في النهاية يبقى أن الفصل الذي لم يكتب بعد هو عن المعركة الثالثة التي بدأت، وفي أهدافها تصفية التاريخ لأجل جغرافيا كونيّة تُشبه مشاهدها الشرق الأوسط الأميركي الكبير حيث النار في كلّ مكان، من جهتنا[يقول بري]، نحن مطمئنون إلى أن صورتنا في مشهد هذه المعركة المقبلة هي: «يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم وآل إبراهيم» على مساحة الشرق الأوسط الإسلامي الكبير»، أليس هذا هو المشروع الإيراني للمنطقة الذي ينهار اليوم بيد الشعب السوري، لكأنها كفّارة عن ارتماء سوريا في الحضن الإيراني طوال العقد الماضي!!
 
وفي ظلّ «التورية» أو «التقيّة» التي اعتمدها نص بري نقول: يدفع الشعب السوري اليوم أثماناً باهظة أكبرها هو ثمن طأطأته لرأسه وكرامته طوال أربعة عقود من الديكتاتوريّة، ولكنّ الثمن الأكبر الذي يدفعه هو ثمن خداعه لنفسه وتهليله لمشروع توريث فاشل ارتضى أن يسلخه فيه الوريث عن هويته العربية أولاً، والدينية ثانياً، وأن يجعله مطيّة للفرس ومشروعهم الخطير للسيطرة على المنطقة العربيّة، لم يُحسن وقتها الشعب السوري العظيم قراءة تاريخه، بل أغمض عينيه عن ثلاث حقائق، أولاها أن دمشق ليست الكوفة، وأن أهل دمشق ليسوا من الغوغاء البُغاة الكوفيين الذين هاجموا المدينة المنورة وحاصروا الخليفة عثمان رضي الله عنه وأرضاه.
 
وتجاهل أنّ أهل دمشق ليسوا «جيش صفين» الذي أرهق الإمام عليّ كرّم الله وجهه وعصى أمره اثنتين وقتله في الثالثة، عصاه في الإصرار على قبول التحكيم، وعصاه فرفض نتيجة التحكيم، ثم اغتاله في أزقة الكوفة، وكذا انقلب أهل الكوفة على الأمام الحسن رضي الله عنه، وكذا قتلوا الإمام الحسين عليه السلام.
 
ويدفع الشعب السوري ثمن إغفاله أنّ دمشق ليست الكوفة وأن سوريا ليست العراق أصل الشقاق، ومعدن «الكذب والنفاق»، وهل يُحتاج بعد إلى دليل على صدق مقولة حجاج العراق أكثر من «نوري المالكي»؟!ويدفع الشعب السوري اليوم ثمن إغماض عينيه عن حقيقة أن دمشق لم تكن يوماً أرضاً للفرس ومكائدهم ضدّ العرب ـ بمسيحييهم ومسلميهم ـ على عكس العراق الذي لطالما استعجمت أرضه فكان دائماً الخاصرة الرخوة للعالم الإسلامي التي يتسلل منها الفرس بمشاريعهم مرة تلو الأخرى، وما أشبه اليوم بالأمس. 
 
ويدفع الشعب السوري اليوم ثمن عقد من الزمن صفّق فيه ورفع رايات حزب إيران في لبنان وصورة الوكيل الشرعي لمرشد الجمهورية الإيرانية، وثمن تحويل النظام المتهاوي أرض الشام إلى مستودع ومقرّ وممرّ للغدر بالعرب وإثارة الاضطراب في بلادهم، حتى ذُهل الشعب السوري عندما شاهد حرب العجم عليه بجندهم وسلاحهم وإمعانهم في قتله لأنه هدّد بثورته مشروع «إيران الكبرى» في المنطقة، وقد يكون أغلى هذه الأثمان التي يدفعها الشعب السوري هو شلال الدماء المتدفق ثمناً لـ «كرامته» و»حريته» و»انعتاقه من معتقل وهم خديعة كبرى تم تجويعه وتدجينه وترويضه وقتله في السبعينات والثمانينات تحت عنوانها المخادع وهو العروبة الكذّابة والتصدي والصمود، ولاحقاً منذ التسعينات وحتى اليوم تحت عنوان الممانعة»، إنه المشهد الأخير لأحلام إمبراطورية «فارس الكسرويّة» التي تتهاوى بسرعة مذهلة على أرض العرب في سوريا!!
 
الكاتبة: ميرفت سيوفي
المصدر: الشرق

علِّق

Filtered HTML

  • رموز HTML المسموحة: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا: كلمات التحقق
هذا السؤال هو للتأكد أنك زائر بشري ولمنع منشورات سبام الآلية.