تجدد المجابهة بين أميركا وإيران

نسخة للطباعة نسخة للطباعة AddThis
لا لكمات إيرانية تحت الحزام، إيران اليوم تلعب اللعبة الإقليمية حسب أصولها وقواعدها المتعارف عليها.
أعني أن إيران باتت تؤسس علاقة الصداقة أو المواجهة باعتماد السياسة والديبلوماسية، شأنها في ذلك شأن أي لاعب إقليمي ودولي آخر.
 
ولا شك أن الدخول الإيراني الجديد على المنطقة فيه ذكاء كبير، فمنذ وصول الرئيس الإيراني الحالي بدت بصمات اعتداله وفهمه تطبع السياسة الإيرانية الخارجية. وقد حقق في ذلك نجاحاً يفوق بكثير ما حقق برنامجه الإصلاحي الداخلي المتعثر.
 
وواضح أن الرئيس خاتمي لم يكن ليلقى هذا النجاح في سياسته الخارجية لولا توصله، على ما يبدو، إلى تفاهم ضمني مع الجناح المحافظ وعلى رأسه فقيه النظام خامنئي.
 
فقد بات الجناحان المعتدل والمحافظ في النظام التيوقراطي الحاكم، مقتنعين بأن الحوار بالسياسة والديبلوماسية جلب لإيران اصدقاء ومنافع اكثر بكثير مما جلب العنف، الذي أدى إلى عزلة إيران وغربتها عن دورها كلاعب فاعل ومؤثر في اللعبة الإقليمية.
 
اعتماد الحوار بالسياسة والديبلوماسية أتاح لإيران اقتراباً سريعاً ومدهشاً من الدول الرئيسية في المنطقة وهي تركيا ومصر والسعودية، ووفر ذلك رؤية عربية أكثر تقبلا لحلفها القديم مع سورية.
 
وتشكل علاقة الصداقة والحوار والتفاهم بين السعودية دولة المرجعية السنية التقليدية، وإيران دولة المرجعية الشيعية الثورية، حجر الزاوية في سياسة إيران الخليجية. ويلقي هذا التعاون المثالي بين نظامين مختلفين بظلال وارفة على الأمن والاستقرار في الخليج، بعدما أدركت إيران ما لم يدركه عراق صدام إلى الآن، وهو أن العنف الفردي (الإرهاب) أو العنف الجماعي (الحرب)، ليس باستطاعته أن يهز استقرار دول الخليج التي تجثم فوق أكبر مصادر الطاقة في العالم.
 
لقد حدث تغيير كبير في هدف إيران الاستراتيجي. فبعد الاخفاق في تصدير الثورة وقلب الأنظمة العربية التقليدية، تركز هدف إيران على إحباط السلام الأميركي الساعي إلى تسوية بين العرب وإسرائيل ودمجها في اقتصاد المنطقة.
 
وتلجأ إيران في المواجهة مع أميركا وإسرائيل إلى تطوير علاقتها بالأصوليات الجهادية العربية، شيعية كانت أو سنية. ويزور قادة هذه الأصوليات إيران بانتظام علناً أو سراً، والتنسيق بينهم ومع إيران واضح سواء في المجابهة مع إسرائيل في الداخل الفلسطيني، أو في الحلقة العربية المحيطة بها. وتدل على ذلك ايضا التصريحات المتشابهة التي تصدر عن طهران أو عن هذه المنظمات.
 
قد أبدو متناقضاً مع نفسي عندما أقول إن إيران اعتمدت السياسة والديبلوماسية في سياستها الإقليمية، في حين انها تدعم وتشجع المقاومة المسلحة ضد إسرائيل في فلسطين ولبنان، لكن هذه المقاومة تبدو عملاً سياسياً مشروعاً في الرؤية العربية والإيرانية منذ أن تخلت إسرائيل عن السياسة واعتمدت العنف المسلح في إدامة الاحتلال وفي الحوار مع الفلسطينيين.
 
وهكذا، فإسرائيل وليست إيران هي الآن الدولة المارقة الوحيدة التي لا تلعب اللعبة الإقليمية حسب قواعدها المتعارف عليها. وهي في ضربها القواعد السورية في لبنان، تحاول أن تخرج من ورطتها الفلسطينية بزج المنطقة في مواجهة مسلحة بعيدة عن منطق الحوار بالسياسة والديبلوماسية الذي تنادي به حليفتها أميركا.
 
وأيضاً، ومنذ أن حدث هذا التحول في السياسة الايرانية الاقليمية، فليست هناك دلائل مادية تثبت ان إيران والأصوليات الجهادية المتعاونة معها تلجأ إلى العنف المسلح لضرب المصالح الأميركية في المنطقة.
 
ومسارعة أميركا اخيرا الى تحميل إيران مسؤولية حادث الخُبَر، تبدو غير مقنعة في التأكيد على أن إيران ما زالت تمارس العنف المسلح في الخليج. فالحادث جرى في تاريخ سابق للتغيير الذي حدث في السياسة الخارجية الإيرانية.
 
والتوقيت المفاجئ غير المناسب للإعلان عن هذا الاتهام أثار امتعاض السعودية، واعتبرته محاولة لقطع الطريق على علاقة الصداقة والتفاهم المتنامية بينها وبين إيران. وقد سارعت الرياض بدورها إلى الإعلان عن أن الاتهام الأميركي لإيران صدر بغير علم أو تنسيق معها، وقالت إن تحقيقاتها بشأن الحادث لم تستكمل بعد.
 
أميركا في المواجهة مع ايران لا تفرق بين الأصوليات الجهادية، وتعتبر ان هناك تنسيقاً وتعاوناً بين أصولية بن لادن وتلك المتعاونة مع إيران. وإذا كانت أميركا قد نجحت في تقديم أدلة على تورط بن لادن في عمليات مسلحة ضد المصالح الأميركية، فلم تنجح في تقديم مستمسكات تدل بقوة لا تقبل النقض على وجود تعاون وتنسيق مباشرين ضد أميركا بين أصولية بن لادن والأصوليات المتعاونة مع إيران.
 
أصولية بن لادن التي تعاونت مع أميركا في ضرب الوجود السوفيتي في افغانستان تقيم حاليا في كنف نظام طالبان المعادي لإيران، بحيث يمكن استبعاد قيام تعاون وتنسيق بين أصولية بن لادن والأصوليات الجهادية الأخرى المنحازة لإيران.
 
وعلى أية حال، فالتقارب العربي ـ الإيراني لا يلغي وجود تباين وفروق في المواقف والسياسات الإقليمية، فالدول العربية الرئيسية المعنية بقضية الشرق الأوسط تميل مع تأييدها للمقاومة الفلسطينية إلى ممارسة الضغط بالسياسة والديبلوماسية على إدارة بوش لتقوم بدور أكثر فاعلية وتأثيرا لكبح جماح حكومة شارون.
 
من هنا، فالعرب والسلطة الفلسطينية لا يمانعون في التهدئة وضبط النفس لمنح الجهود الأوروبية والأميركية فرصة لتمرير مشروع ميتشل الرامي في الهدف الأخير إلى إعادة الحوار السياسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
 
وفي إطار منطق التهدئة، دارت وتدور لقاءات واتصالات عربية ودولية لـ «تبريد» الجبهة اللبنانية، بل ذهب رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري الى طهران في محاولة مضنية لاقناع ايران حليفة «حزب الله» الأساسية في لبنان بإعطاء فرصة لحرب التنمية في لبنان إلى جانب حرب تحرير مزارع شبعا.
 
وفي منطق التهدئة ايضا، قام الأردن بضرب الأصولية الجهادية الأردنية ـ غير البعيدة عن إيران ـ عندما نزلت إلى الشارع الأردني في محاولة لإلهابه ضد السلام وضد المعاهدة الأردنية ـ الإسرائيلية. وأخذت عمان العهود والوعود من مسؤول الجهادية الحماسية ذات العلاقة الوثيقة بإيران بعدم ممارسة أي نشاط في مقابل السماح له بالعودة إلى الأردن. ولا شك أن فتورا قد طرأ مجدداً نتيجة لكل ذلك على العلاقة الرسمية الأردنية ـ الإيرانية الباردة أصلا.
 
والآن، لماذا أصبح الهدف الاستراتيجي الإيراني في المنطقة مقاومة السلام الأميركي واحباط أية محاولة إسرائيلية لفرض سلام غير عادل على الفلسطينيين؟.
 
الواقع أن سياسة إيران الرسمية المعلنة تقول إنها ليست ضد المحاولات العربية للوصول إلى سلام مع إسرائيل، بل جددت تعهدها لسورية بشار بأن لا تقاوم توصل سورية ولبنان إلى اتفاق سلام يقبلان به.
 
لكن إيران ترى في تعنت اسرائيل وغياب الدور الأميركي الفاعل أو انحيازه، فرصة لتحقيق شعبية جماهيرية قوية في العالم العربي لها وللأصوليات الجهادية المتعاونة معها. وقد وصلت هذه الشعبية إلى درجة تسمح بظهور «حزب الله» فلسطيني في الضفة الغربية وغزة، ودعوة غامضة للتشيع في المجتمع الفلسطيني.
 
أما الأصوليات الجهادية العربية فهي تطرح نفسها كبديل يراهن على النجاح في تحرير الأرض الفلسطينية بالسلاح، الأمر الذي أخفقت فيه «النضالية» القومية العربية على مدى قرن كامل. وهي ترى في نفسها ظاهرة رفض لجسم غريب عن العرب والإسلام وعن المنطقة. وتخشى أن يتم تهميشها والقضاء عليها أو تغييب أي دور للإسلام السياسي في حال نجاح السلام الأميركي في التوصل إلى تسوية بين العرب وإسرائيل.
 
وأحسب أن هدهدة حماسة إيران لاحباط هذه التسوية، يتم عبر التخفيف من حدة المجابهة المتجددة بين أميركا وإيران في المنطقة، وذلك يتطلب اعتراف أميركا بدور سياسي لإيران ولنفوذها في آسيا الوسطى والشرق الأوسط، والتخلي عن مبدأ «الاستيعاب» السقيم في التعامل معها.
 
أما ماذا تفعل أميركا بالأصوليات الجهادية العربية، أو ماذا تفعل هذه الأصوليات بأميركا وإسرائيل، فهذا له حديث آخر.
الشرق الأوسط
حقل التصويت: 

علِّق

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • رموز HTML المسموحة: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا: كلمات التحقق
هذا السؤال هو للتأكد أنك زائر بشري ولمنع منشورات سبام الآلية.
Image CAPTCHA
أدخل الأحرف الظاهرة في الصورة.