"حزب الله" وجماهيرية الخوف العظمى!
منذ قرابة ستة عقود ويعيش اللبنانيون ظواهر الخوف. من الميليشيات السابقة وكانتوناتها. من الوصايات المتعاقبة، أنظمة سوريا والعراق وليبيا تضاف إليها "سلطة عرفات" في لبنان، من دون أن ننسى إسرائيل وغزواتها واحتلالها ومجازرها. ستة عقود من الخوف. وما زالت مستمرة: آباؤنا عاشوا ورحلوا في الخوف. نحن نشأنا وترعرعنا وشبنا في الخوف. أولادنا ولدوا ويكبرون في الخوف. تأتينا ميليشيا إلهية (كل الميليشيات "أحزاب الله" بلا منازع!) تزرع هذا "المرض" تصنع حروبها الخراب والرعب وترحل: ثم تأتينا أخرى. وهكذا دواليك. والقواسم المشتركة بين هذه الميليشيات أنها كلها "مقاومات" (من غير شر) بين مقاومة شعبية، الى "لبنانية"، الى وطنية الى فلسطينية، فإلى إسلامية اليوم مع آخر العناقيد آلهة حزب الله (كأن لله حزباً إلاّ إذا كان حزبنا الرائع هو حزب الله المختار). والمقاومات "مقدسة" لأنها بكل بساطة "مقاومات"! "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" يعني لا شيء يعلو فوق صوت المقاومة أو النظام الاستبدادي أو الممانع: لا نقد، لا مراجعة، لا محاسبة. لا قانون. لا دستور. لا حدود. عند كل منها قائدها الأول الوحيد "المقدس" الذي، ولكي يكون وحيد عصره في "القُمة"، يُصفّي قبل كل شيء كل الأحزاب والأطراف التي تنتمي الى خندقه تحت شعار "توحيد البندقية". هذا حصل في المناطق الشرقية، وهذا حدث في المقاومة الإسلامية التي اعتلت الزعامة الانفرادية الأحادية بإذنه تعالى!
تمّ ذلك في كنف الخوف. والدم. والقتل. والعمالة. والكانتونية. والاستئثار. والاستبداد، ورهن لبنان بإرادات خارجية، والتدمير. والسرقة. والخراب.
عندما تم الاتفاق بين النظامين السوري والإيراني على "إنشاء" حزب الله و"المقاومة" (بقرار خارجي طبعاً) على أنقاض المقاومة الوطنية والفلسطينية عندنا تجددت "ثقافة" الخوف، بانتقال "مصير الجنوب" وأهله ولبنان من يد الى يد. ثم وبعد التحرير، صار الجنوب وحتى لبنان كله في قبضة الوصايتين الممانعتين، تحت سلاح "مقاومة حزب الله!". تجدد الخوف: وتغيرت "هوية" الساحة، من "عربية" (فلسطينية عراقية قذافية!) الى إيرانية سورية. صار هناك قرار الحرب والسلم. هناك يتقرر كل شيء. ولم يبق للبنانيين سوى إما أن يصفّقوا لحروب لا علاقة لهم بها عبر الوكيل الحصري "حزب الله"، وإما أن يطالبوا بالدولة لكي يكون قرار كل شيء في يدها.
اليوم، الجنوب بين ثلاثة مواقع: إسرائيل، السلاح الإيراني السوري + حزب الله، واليونيفيل والجيش اللبناني. لكن الثنائي العسكري الدولي الذي هو الأضعف لم يطمئن اللبنانيين. فلا للجيش اللبناني قرار منع وجود السلاح والتحرك، ولا اليونيفيل. شاهدان "ما شافوش حاجة". ولبنان كله، اليوم بين هذه القوى الثلاث وليس الجنوب وحده. فحرب تموز لم تقتصر على الجنوب، بل شملت كل لبنان، بمعامله، وجسوره، ومنشآته، ومناطقه وعاصمته، وخزانات بتروله... فحزب الله، ولكي يُبعد كل محاسبة وسؤال: من خوّله قرار استجرار هذه الحرب واستدراج إسرائيل لقتل وجرح أكثر من ثلاثة آلاف لبناني (مقابل 87 إسرائيلياً. رائع)، ارتد الى الداخل، بسلاحه، وتهديداته وإرهابه واتهاماته وترهيبه، وحملات تخوينه: اتهم بكل "ورع" و"صدق" و"إيمان" أكثرية الشعب اللبناني بممثليها ورموزها بالتآمر عليه. لينتقل بممانعة من مظاهر الخوف في الجنوب الى مصير النظام، والسلطة، والديموقراطية، وزواريب السياسة، صار الخوف متعدداً ومتكاثراً! من إسرائيل، ومن حزب الله ومن الوصايتين اللتين لا ترى في لبنان سوى منصة لنفوذهما ورسائلهما وانتهاكاتهما وخرابهما. بمعنى آخر، جعلت الميليشيات المتتابعة وآخرها ميليشيا حزب الله (المستوردة)، كابوس الخوف جاثماً على اللبنانيين. وإذا توقفنا عند ما يجري اليوم من خلال تداعيات الثورات العربية، لا سيما السورية علينا، فلن نجد سوى سيناريو متكرر: عندما تكون سوريا على علاقة رائعة بأميركا (وإسرائيل) وتالياً إيران والعرب، فعلينا نحن أن ندفع ثمن "زهوها" وهيمنتها من كرامتنا، وسيادتنا، واقتصادنا، وديموقراطيتنا، وأمننا. (هذا ما دفعنا في سنوات العسل بين أميركا وإسرائيل وسوريا) على امتداد عقود. فالثمن على لبنان لا محالة. وعندما اندلعت الثورة السورية اليوم بين الشعب والنظام، علينا، كالعادة، أن نؤدي واجب الضريبة خوفاً متجدداً! خوفاً من نقل المعارك الى لبنان عن طريق 8 آذار. أو إثارة فتنة طائفية أو حرب أهلية، أو اغتيالات. أو انقلابات. أو هيمنة. أو ترهيب. فالنظام السوري كما نعلم "محشور" بعد ثمانية أشهر من ثورة شعب بطل، مقدام، نبيل، رائع! محشور لأنه بات شبه منعزل عربياً، ودولياً. فأوروبا شطبها وليد المعلم من الوجود! وأميركا "تتآمر" (لم يتهم النظام السوري إسرائيل حتى الآن: شيء غريب أم أليف!). والخليج على شبه إجماع. (بقيت البرازيل وروسيا بوتين الذي زوّر انتخابات الدوما الأخيرة!) لتُهيأ الأرضية لربيع موسكو الجديد. وقد رافق هذه العزلة تدابير عقابية رادعة للنظام البعثي... نرجو ألا تطاول الشعب السوري البطل. إزاء هذا الواقع، ها هو واجب لبنان الوطني والقومي من جديد أن يكون "المنفذ" الأخير لنظام يفتك بناسه، ويدمر مدنه، ودساكره، ويذبح أطفاله، ويُهجر شعبه! إذاً وكما تكبدنا ثمن ازدهار العلاقات السورية الأميركية الإسرائيلية الإيرانية (التحالف ذاته في العراق بين المالكي ونتنياهو وبوش السابق وأوباما)، ها نحن، علينا اليوم دفع ثمن هذه التأزمات. فقد سبق أن خططت الوصايتان لانقلاب على صعيد السلطة، فأسقطتا حكومة الحريري وجاءتا بحكومة بعضها متهم بقتل الشهيد الرئيس رفيق الحريري! لكن لسوء حظهما، اندلع الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا واليمن... وصولاً الى سوريا! وباتت هذه الحكومة (حكومة الفضائح والسرقات والتواطؤ والمحاصصة) آخر منصّة عربية للنظام السوري. وعليها عملياً أن تتواطأ بامتداداتها التنفيذية والتشريعية والأمنية مع النظام الذي أنجبها، بالطبع على حساب هذا البلد. فحزب الله جاهز للمهمة. وقد أنشئ لمثل هذه الجهوزيات! أي لمثل هذه الاستجابات لنداء الوصايتين. فهذا الحزب الذي حيّا (بلسان أمينه العام) الثورة المصرية وسمّاها "ثورة الجياع" (من قال له أنها ثورة الجياع!) والتونسية والليبية (لفظياً لأن أولياءَه في إيران وفي سوريا دعموا نظام الطاغية البائد القذافي بالطيارين والتقنيين)، والبحرين (باعتبار أن للثورة وجهاً مذهبياً!)، وعندما جاء الدور على سوريا، اتهم الحزب المنتفضين على النظام البعثي من الشعب بالمتآمرين والإرهابيين، والقتلة، والعملاء، رائع! يعني، وكما خوّن أكثرية الشعب اللبناني، والفلسطيني. والعراقي... ها هو حزب ولاية الفقيه يُخوّن أكثرية الشعب السوري! حزب التخوين، "ومن كان بيته من زجاج"... أو بلا زجاج كيف يرمي بيوت الآخرين بالحجارة! وأكثر ها هو يخوّن أيضاً النازحين والمهجرين عندنا من أهلنا في سوريا. الحزب الذي يرمي الآخرين بالحجارة... عقوله حجارة، ومشاعره حجارة. وعيونه حجارة. وضميره حجارة. ولسانه خشب وحجارة. وإنسانيته حجارة. وإيمانه حجارة: كيف يتجرّد حزب ينتحل صفة "الله" من كل قيم إنسانية وأخلاقية، ويصرّ على أنه حزب "القديسين" والأولياء! (أو لم يُعظم ويطوّب المتهمين بقتل الشهيد الحريري... ويبرئ بصمته المريب العميل الإسرائيلي حليفه الاثيري فايز كرم).
إذاً الخوف مجدداً (ودائماً!). وها وضع الجنوب في المهب. وكذلك لبنان. وها بضاعة "عبسية" نسبة الى شاكر العبسي (من مستوردات النظام السوري والإيراني!) وتحت "قبة" حزب الله، تطلق صواريخ على إسرائيل، تنفيذاً لتهديدات الرئيس السوري، في محاولة لاستجرار العدو لحرب "تموزية" جديدة (ينتصر فيها الحزب ويخسر لبنان! تماماً كما حدث في 1967: انتصرت إسرائيل واحتلت الأراضي وبقيت الأحزاب في السلطة؛ فيا لهذا الانتصار المدوي!). إنها صواريخ أطلقها "جواسيس". وعملاء. هم أولاً وأخيراً لا يستهدفون تحرير شبعا (هل هي لبنانية يا حزب الله وأين الوثائق!)، ولا أذية إسرائيل: بل إلحاق الضرر بلبنان! وإظهار عجز الجيش اللبناني واليونيفيل، ومن الصواريخ (تأملوا: استنكر حزب ولاية الفقيه إطلاقها! رائع! على مين يا ابني!)، ومن الصواريخ "الموسمية" الى الاعتداء على إحدى الوحدات الفرنسية في مناطق "حزب الله لاند"، في رسالة موجهة الى السلطات الفرنسية التي تدعم الشعب السوري. أما لماذا لا يسعى هذا النظام السوري الذي أجرى مناورات "بطولية" قبل أيام "لصد كل عدوان!"، الى بعث رسائل "صمود وتصد" وممانعة، وتحرير، على الجولان المحتل، فهذا سر الأسرار وقدس الأقداس! فهو مستمر في "محاربة" إسرائيل (التي لم يتهمها حتى اليوم: وينك يا وليد المعلم!)، بدم اللبنانيين، ودم الجنوبيين، وممتلكاتهم، وأراضيهم. يُحيّد الجولان السوري العزيز على قلوب كل عربي، ويُورّط لبنان. رائع! وعنده عندنا وعندهم حزب الله ليقوم بهذه المهمة "المقدسة" أي تعريض بلاده للمخاطر كرمى لإرادة ولاية الفقيه دام ظله الشريف، ولولاية الرئيس دام مجده! والله! إنه لحزب نادر! لا تجد له مثيلاً لا في السند ولا في الهند، ولا في بلاد العجائب. يضحي بمصير بلده لينقذ نظاماً يفتك بشعبه: ولمَ لا! أوليس هو حزب "المحرومين" و"المظلومين" و"المضطهدين" في الأرض، أولم يوجه السيد حسن نصرالله في عاشوراء، وهي ذكرى المظلومين والشهداء في التاريخ الإسلامي والشيعي، تحية الى الظالمين والقاهرين ويوجه لعنة الى الشعب السوري المطالب بحقه من الكرامة و الحرية والديموقراطية؟ براو! والله براوا! وها نحن اليوم، بين صواريخ "العبابسة" والاعتداء على اليونيفيل، والتهديد بحروب أهلية (إذا تهدد نظام البعث)، وبالاغتيالات، واسترجاع معزوفة "التخوين" (أي خائن وقح يرشق الآخرين بالخيانة!)، وانتهاك حرمات المناطق والناس بإمداد خطوط الاتصالات في ترشيش وصولاً الى كسروان (أين الجيش اللبناني: أتراه بات استمراراً لجيش إميل لحود وغازي كنعان ورستم غزالي؟ أعادت حليمي لعاداتها القديمة)، والتهديد بـ7 أيار جديد... نستعيد حلقات الخوف على أنفسنا وعلى لبنان، لأن هناك حزباً يعتبر هذا البلد وشعبه تفصيلاً من تفاصيل استراتيجيات إيران وسوريا! وهكذا تلتقي لبنانيين من كل الفئات يتساءلون "شو قولكن بيعملا حزب الله. بيفجرها؟ شو قولكن بمرقها حزب الله عَ سلامة؟ أو قولكن متفقا سوريا وإسرائيل على إشعال حرب في لبنان... بواسطة حزب الله، لتبرير حرب أهلية محتملة عندها! "شو قولكن هل يغامر السيد حسن نصرالله كعادته بلبنان وجنوبه وبيخربط الأوضاع"... هذه أسئلة الخوف عند اللبنانيين يا سيد حسن نصرالله! باتوا يخافونك ويخافون حزبك، بعد أن كنت بالنسبة الى كثيرين ونحن منهم "صمام أمان". من جديد الخوف. كأنما علينا أن نخبئ كثيراً من الخوف في قلوبنا، وفي عقولنا، وفي منازلنا، وفي رؤوس أولادنا، لأن حزباً يحمل السلاح أعطي "خرابَ لبنان" ومصيره، كوَكيل لإرادات خارجية! باتت جمهورية الخوف، اليوم تعلن في المدن والدساكر... والمناطق، في غياب الدولة التي لا تريد أن تكون حاضرة، وفي غياب جيش لا يريد أن يكون حاضراً: خوف على الحدود الشمالية وخوف على الحدود الجنوبية. خوف في بيروت وفي طرابلس وفي الضواحي وصيدا وعكار... كسروان. أف! كأن جماهيرية حزب الله العظمى تطبق على جمهورية لبنان "الصغرى"... فأي حزب هذا ينشر الرعب في أعماق شعبه... وهل هذا هو دوره! أو ما تبقى من دوره! ولكن يجب أن يعرف قديسو الحزب و"أولياؤه" و"آلهته" (الصغار) أن الخوف إذا تراكم... وتفاقم، فسيكون ثورة، عليكم، وعلى سلاحكم، وعلى زمنكم البائد المتقادم... الذي بدأ يتشقق، ويتصدّع! ربيع لبنان الثاني يا حزب الله سيكون شتاء سلاحكم! وشتاء هيمنتكم، وشتاء هذه الأنظمة التي بدأت تصبح من متاع ماضٍ أسود... سواء في إيران (والثورة الخضراء كامنة!) أو في سوريا!
سؤال أخير يا حزب الوصايتين: الى متى سيبقى أولادنا يعيشون بسببكم في الخوف؟!
الكاتب: بول شاوول
المصدر: المستقبل




علِّق