لماذا تتساقط الطائرات الإيرانية؟!
الحادث المأساوي للطائرة الإيرانية المنكوبة الذي أودى بحياة 168 شخصاً، يثير الكثير من الأسى والتساؤلات، تقول الأنباء أن الطائرة كانت تقوم برحلتها الاعتيادية بين طهران وبريفان عاصمة أرمينيا، وأقلعت صباحاً من مطار الإمام الخميني الدولي في طهران وتحطمت بعد مرور 16 دقيقة من إقلاعها في محاقظة قزوين، وأكد شهود عيان أن الطائرة اشتعلت في الجو قبل أن تنفجر بسبب اندلاع النيران في أحد محركاتها، وهي من طراز 'توبوليف' الروسية، وقد وجه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمجتمع الدولي تعازيه إلى إيران، معربين عن تعاطفهم العميق مع عائلات وأصدقاء ضحايا هذا الحادث المأساوي، مؤكدين تضامنهم مع الشعب الإيراني في أحزانه، لقد تعددت حوادث سقوط الطائرات الإيرانية أخيراً، فقد قتل 29 شخصاً في سبتمبر 2006 جراء خروج طائرة ركاب عن المدرج لدى هبوطها في مطار مشهد، وتحطمت في نهاية 2006 طائرة عسكرية إيرانية مما أسفر عن مقتل 39 قتيلاً بينهم 30 من الحرس الثوري، وتحطمت في ديسمبر 2005 طائرة 'لوكهيد سي 130' بعد إقلاعها من مطار مهر آباد في طهران مما أدى إلى مقتل 108 أشخاص، وتأتي الحادثة الأخيرة لتزيد رصيد القتلى وتثير تساؤلات شتى منها: لماذا تتساقط الطائرات الإيرانية؟! لقد اعتاد طائفة من المراقبين وبعض المعلقين أن يرجعوا أسباب سقوط الطائرات الإيرانية إلى الحظر المفروض على إيران بعد الثورة الإيرانية عام 1997 والذي استهدف بالأساس المعدات العسكرية أو التي يمكن أن تستخدم بشكل عسكري، ويقولون: إن إيران تجد صعوبة في شراء الطائرات أو معدات الطائرات ولذلك فإن الأسطول الجوي الإيراني يعاني بشدة بسبب تقادمه من جهة، وبسبب نقص الصيانة من جهة أخرى، وهكذا يوجهون أصابع الاتهام دائماً إلى العقوبات الأميركية ويحمِّلونها مسؤولية سقوط الطائرات الإيرانية، وما إن تسقط طائرة إيرانية حتى يسارع هؤلاء المعلقون إلى توجيه اللوم إلى الحصار المفروض والعقوبات الأميركية، فهل هذا صحيح؟ وهل الحظر الأميركي المفروض على إيران هو السبب في تساقط الطائرات الإيرانية؟!
الطائرات تقع في كل مكان والعالم لم يكد يستفيق من حادثة تحطم الطائرة اليمنية قبالة سواحل جزر القمر وأسفر عن مقتل 152 شخصاً في 30 يونيو 2009، وقبلها في 1 يونيو تحطمت طائرة فرنسية في المحيط الأطلسي، كانت تقوم برحلة بين ريو دي جانيرو وباريس وأدى إلى مقتل 228 شخصاً، وقد تعددت هذه الحوادث الكارثية أخيراً وهناك قائمة طويلة نشرتها بعض الصحف العربية لأخطر كوارث الطيران منذ عام 1977، اتضح من خلالها وقوع نحو 20 حادثة كارثية أودت بحياة 5454 ضحية، إذن قائمة كوارث الطيران مثقلة وضحاياها كثر ومن كل الجنسيات، ومع ذلك لم نجد أحداً يربط تلك الحوادث الكارثية بالعقوبات الاقتصادية، فلماذا يسارع بعض المعلقين إلى ربط حوادث الطيران في إيران بالعقوبات الدولية؟!
أتصور أن في الأمر مبالغة كبيرة، وأن إيران هي وراء ترديد أسطوانة الربط، ذلك لأنها مستفيدة من هذا الربط كونه توجهاً سياسياً مألوفاً لدى النظم الشمولية يخلصها من المسؤولية ويوجه أنظار الشعب نحو الصراع الخارجي، ويغطي على الأوضاع المتردية في الداخل، وقد وجدنا مثل هذا التوجه لدى النظام العراقي السابق خلال فترة الحصار الدولي على العراق حيث كان يبني القصور الفاخرة وينفق ببذخ على الأتباع والأنصار والمرتزقة أصحاب الكوبونات، ومع ذلك كان يروِّج لمزاعم عريضة عن أطفال العراق الذين يموتون بسبب حرمانهم من الحليب جراء الحصار الدولي الظالم على العراق، وكان أنصار النظام السابق يقودون الحملات ويجوبون الآفاق من أجل أطفال العراق المحرومين من الحليب بسبب الحصار الجائر، دون أن يتساءلوا: لماذا يموت أطفال العراق من نقص الحليب في بلد يعد الأغنى بالثروة الحيوانية والزراعية؟! ذلك لأن النظام يريد المساومة على هؤلاء الأطفال ويريد استخدامهم أداة سياسية ضد الحصار!
وهكذا تفعل أيضاً الجماعات الدينية الشمولية مثل 'حماس' عندما تطلق صاروخاً من بين المدنيين لترد إسرائيل فيُسقط الضحايا المدنيين وعندما تتخذ من شعب غزة رهائن، وكذلك فعل 'حزب الله' عندما اختطف الجنديين الإسرائيليين حيث دفع الشعب اللبناني الثمن الكارثي، وهو أيضاً الأسلوب المفضل لدى الجماعات المتشددة التي تكدس السلاح في المساجد وتتخذها قاعدة لضرب القوات المعادية لها كما حصل في أحداث (الفلوجة) حيث استخدمت الجماعات التابعة للقاعدة المساجد كقاعدة لضرب القوات الأميركية، مما دفع تلك القوات للرد وإصابة المساجد لتنطلق دعاية سياسية ضد القوات الأميركية بأنها تضرب بيوت الله، وليصرخ خطباء المساجد منددين بالعدوان الأميركي الذي يستبيح كرامة المساجد.
هذه الجماعات والنظم الشمولية لا تأبه لما يصيب المدنيين وسقوطهم ضحايا لأعمال عنف أو بسبب إهمال وذلك لسببين:
1- أن كل هؤلاء البشر الذين يذهبون ضحايا لا يشكلون أولوية في حساباتها وفي صراعاتها الإيديولوجية مع الخارج.
2- أن سقوط هؤلاء الضحايا، خصوصاً بين صفوف النساء والأطفال، يعطي تلك الجماعات والنظم الشمولية كسباً سياسياً ضد أعدائها، وهذا هو الحاصل في إيران... فالأسطول الجوي الإيراني هو نفسه الذي كان موجوداً من أيام الشاه في ما عدا بعض التطويرات، وكان بإمكان إيران أن تجدد هذا الأسطول إذا أرادت وهي لن تعجز عن ذلك رغم الحصار المفروض لأن مَن يستطيع أن يخترق الحصار في ما يتعلق بالتقنية النووية لن يعجزه تجديد أسطوله، وإذا كانت أميركا لن تبيع إيران طائرات حديثة لتجديد أسطولها الجوي، فإن علاقات إيران بروسيا والصين قوية، وبإمكان طهران أن تجدد طائراتها عبر روسيا، خصوصاً أن الطائرة المنكوبة كانت روسية، ثم إن إيران التي تتباهى بإطلاق صواريخ عابرة للقارات وأقماراً اصطناعية، هل يعقل أن تعجز عن شراء طائرات جديدة حماية لشعبها؟!
ولكن من قال إن حماية الشعب أولوية لدى النظم الشمولية؟! إن هذه النظم مشغولة دائماً بحماية النظام ضد أعداء وهميين دائمين يحمِّلونه وزر كل إخفاقاتهم وأخطائهم وإهمالاتهم، إن تساقط الطائرات الإيرانية أسبابه الرئيسية هي: الإهمال، ثم سوء الصيانة، وقبل ذلك سوء الإدارة، وليس الحصار الدولي. لقد تساءلت صحيفة إيرانية أخيراً بعد أن انتقدت المسؤولين عن شركات الطيران التي تستخدم طائرات تسبب مقداراً كبيراً من الأضرار للإيرانيين وقالت: إن بعض مسؤولي الطيران والشركات الجوية المحلية يعزون عجزهم عن شراء طائرات أكثر أماناً إلى العقوبات المفروضة على إيران، قالت تلك الصحيفة: إذا كانت تلك الحجة صحيحة، فكيف تمكنت بعض الشركات الإيرانية غير الحكومية في الأعوام الأخيرة من شراء طائرات حديثة وجديدة؟! وأوردت الصحيفة أن المشاكل المالية والضغط الذي تمارسه الحكومة لعدم زيادة أسعار بطاقات السفر تجبر تلك الشركات على عدم احترام قواعد السلامة والمعايير الدولية، تُرى ماذا تريد إيران بعد 30 سنة من الثورة لشعبها؟ الأقمار والصواريخ والسلاح النووي وتكديس السلاح وشراء الذمم والأقلام والصحف والمحطات ودعم وتمويل الحلفاء والجماعات هنا وهناك، لن تحجب واقعاً اجتماعياً واقتصادياً بائساً، ومهما حاول النظام تحميل الخارج مسؤولية الأوضاع الداخلية المتردية ومهما بالغ في تغذية مشاعر التضامن البدائية ضد الآخر على حساب قيم الحرية والمسؤولية والشفافية، فإن هذه المحاولات ستذهب سدىً، خصوصاً بعد أن انتفض الشعب الإيراني أخيراً للتعبير عن حقه في مساءلة النظام عن الأوضاع القائمة والمناقضة لكل الشعارات والوعود التي بشرت بها الثورة الإيرانية قبل 30 سنة. إن 70 في المئة من الشعب الإيراني لايزال يعيش في وضع اقتصادي صعب، وهو يتساءل: لماذا تتبدد ثرواته الوطنية وتذهب سدىً في صراعات خارجية وعلى تكديس السلاح بينما يجد نفسه محروماً من أن يعيش معيشة كريمة أسوة بجيرانه على الضفة الأخرى من الخليج؟ّ!
ما حاجة إيران إلى إطلاق قمر اصطناعي في الوقت الذي يعاني أغلبية الشعب أوضاعاً اقتصادية خانقة؟! تشير تقارير دولية صادرة عن الأمم المتحدة إلى أن قطاعاً كبيراً من السكان يترنح تحت خط الفقر، إضافة الى تبوؤ إيران مراتب متأخرة في تقارير التنمية البشرية، رغم استحواذها على أكبر احتياطي نفطي، الشعب الإيراني شعب حيوي وقادر على البناء والتنمية والإبداع، فله تراث عريق وحضارة عريقة والمطلوب اليوم من القيادة الإيرانية أن تغيِّر سياستها وأولوياتها من الجهاد ضد الخارج إلى الجهاد في الداخل والاهتمام بالبناء والتنمية والتعليم، خصوصاً أن الرئيس الأميركي قد مد يده إلى إيران لفك الحصار عنها، وإذا كانت إيران تقول إن الحصار الدولي وبالذات العقوبات الأميركية هي السبب في ما تعانيه، فها هي الفرصة المواتية قد أتت، فهل تنجح إيران في التقاط هذه الفرصة لفك عزلتها الدولية أم ستواصل حربها ضد الشيطان الأكبر على حساب سقوط المزيد من الضحايا من شعبها؟!
الدكتور عبد الحميد الأنصاري
الجريدة
حقل التصويت:




علِّق